أطباء الأردن... أعباء مهنية ومادية وضغوط نفسية

20 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 00:24 (توقيت القدس)
أعباء كبيرة على كاهل أطباء الأردن، يناير 2026 (كرايغ ستينيت/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- الضغوط النفسية على الكوادر الطبية في الأردن تتضمن ساعات عمل طويلة، منافسة شديدة، وضغوط مالية، مما يؤدي إلى الإرهاق والاكتئاب، مع نقص الدعم الكافي في البيئة التعليمية والمهنية.

- يواجه الأطباء تحديات اقتصادية بعد التخرج، مثل الاختيار بين برامج إقامة مدفوعة أو غير مدفوعة، مما يزيد من الإرهاق وقلة النوم، بالإضافة إلى الامتحانات التعجيزية التي تزيد التوتر النفسي.

- يشدد الخبراء على أهمية توفير الدعم النفسي للأطباء وطلاب الطب، مع تبني بروتوكولات للعناية النفسية وتشريعات وقائية، ومحاربة وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي لضمان سلامتهم.

عكس انتحار طالبة طب في الأردن أخيراً واقع الضغوط النفسية غير العادية التي تتعرض لها الكوادر الطبية عموماً بسبب الأعباء والمهمات التي تتحملها. ورفع متخصصون وخبراء صحيون شعار "من يحفظ حياة الناس يستحق أولاً أن تُحفظ إنسانيته".

خلال الفترة الماضية عمّ السواد الشارع الأردني ومجتمع الأطباء حزناً وكمداً على رحيل طالبة طب اختارت طوعاً أن تنزل من قطار العمر، وألقت بنفسها من أحد طوابق مستشفى الجامعة الأردنية، بحسب ما أفاد مصدر مطلع على التحقيقات لـ "العربي الجديد"، مشيراً إلى أن "الطالبة كانت في السنة السادسة من دراسة الطب، وعلى بعد خطوة فقط من مشوار "الألف ميل" الذي قطعته من أجل التخرج. وتركت قبل ساعات من رحيلها وصيتين وفق منشور أدرجته على فيسبوك، الأول أنها تتبرع بأعضائها، والثانية أنها لا تريد أن يُقام لها بيت عزاء". ويترك انتحار الطالبة سؤالاً لا يعرف إجابته إلا المعنيون باختصاصات الطب والأجواء المحيطة بها، وهو "أي ضغوط تلك التي يتعرض لها الأطباء فتجعل بعضهم ضحية لمشاكل نفسية قد تدفع أحياناً إلى تفضيل الموت على الحياة؟".

للمفارقة، شاركت الطالبة نفسها قبل أربع سنوات منشوراً على "فيسبوك" رثاء طبيبة استعجلت موتها أيضاً، وألقت بنفسها من أحد طوابق مستشفى الجامعة الأردنية. وفي المستشفى نفسه سقط أحد الأطباء المقيمين من أحد الطوابق العليا مطلع إبريل/ نيسان الجاري، وقالت إدارته إنها تتابع باهتمام بالغ الحالة الصحية للطبيب، ووصفتها بأنها "مستقرة في ظل تلقيه الرعاية الطبية اللازمة". وأكدت أن "رئيس القسم المعني كان رصد تغيّرات في الوضع الصحي واضطرابات لدى الطبيب المعني، وهو خريج إحدى الجامعات البريطانية والتحق ببرنامج الإقامة في المستشفى منذ أشهر، واتخذ إجراءات خاصة بحالته فور ملاحظة أعراض تدعو للقلق".


ولا إحصاء رسمياً حديثاً لعدد المصابين بأمراض نفسية في الأردن الذي يقُدر عدد سكانه بنحو 11.9 مليون، لكنّ خالد الحديدي، المدير السابق لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية (حكومي)، قال قبل نحو أربع سنوات إنّ "هذه النسبة تراوح بين 15 و20%، ويوجد في الأردن نحو 135 طبيباً نفسياً مسجلاً في جمعية الأطباء النفسيين و40 متخصصاً في الأمراض النفسية بوزارة الصحة".

تقول طبيبة أنهت أخيراً برنامج الإقامة لـ"العربي الجديد": "أول ضغط نفسي يواجه الطبيب بعد التخرج هو الوضع المادي، فهو أمام خيارين أيسرهما عذاب، إما أن ينتظر مكاناً للالتحاق ببرنامج إقامة مدفوع الأجر، وهذا غير مضمون، لأن المنافسة كبيرة جداً وعدد الخريجين أكبر، وهناك نُدرة في عدد برامج الإقامة مدفوعة الأجر في المستشفيات الأردنية، أو يقنع بالخيار الثاني، وهو برنامج إقامة غير مدفوع الأجر أو حتى مدفوع من الطالب نفسه أحياناً من جيبه الخاص". تتابع: "الكثير من الأطباء الذين قُبلوا في برامج الإقامة غير مدفوعة الأجر اضطروا إلى العمل في المراكز الصحية والمستشفيات الخاصة من أجل تحصيل ما يسدد الحدّ الأدنى من نفقاتهم واحتياجاتهم، ما جعل ساعات نومهم على مدار الأسبوع قليلة جداً، وخسر العديد منهم حياته نتيجة حوادث سير نجمت غالباً من الإرهاق".

تتراكم الضغوط على الأطباء وطلاب الطب في الأردن، يناير 2026 (Getty)
تتراكم الضغوط على الأطباء وطلاب الطب في الأردن، يناير 2026 (Getty)

وتوضح الطبيبة التي رفضت كشف اسمها أن "النجاح في برامج الإقامة التي تراوح مدتها في الأردن بين 3 و6 سنوات هو بحدّ ذاته ضغط نفسي لا يُحتمل، فالامتحانات تعجيزية، ولا تهدف إلى تقييم طالب الطب الذي يجد نفسه محاصراً بأسئلة عشوائية لا يمكن أن يعاينها في حياته العملية، وهي تقيس ما يحفظه وليس ما يفهمه، وعلى هذا الأساس يبقى الطبيب في حالة ضغط نفسي طوال برنامج الإقامة، ويجد نفسه أمام لجنة لا تهدف إلى تقييمه بل إلى إحراجه".

وتتحدث الطبيبة عن أن "ساعات الدوام طويلة جداً، وهذا غير مقبول تحت أي ظرف وأي قانون، ففي بعض الدول يحصل الطبيب على إجازة إجبارية إذا تخطى عدد ساعات دوام معينة لأنه يصبح مصدر خطر على نفسه والمرضى، أما في الأردن فلا تقل المناوبات عن 32 ساعة يراجع الطبيب خلالها عدداً لا يُعقل من المرضى، ولا مكان للراحة ولا للغسول. وخلال برنامج الإقامة كنت أنام أحياناً في السيارة لأن أماكن نوم كثيرة غير مؤهلة وتفتقر إلى النظافة، والوجبات لا تؤكل في حال توفرت". 

وتشدد على أن "النقطة الأهم تتمثل في تعامل الطبيب المسؤول مع زميله المُقيم، فهو ينقل العجائب إليه التي كان رآها خلال سنوات إقامته، ويهزأ به ويُقلل احترامه ويخضعه لتبعية تنفيذ الأوامر، ولا يسمح له بالاستقلال في الآراء أو حتى المشاركة في النقاش، في وقت لا يُعلمه شيئاً ليس لأن لا وقت للتعليم، بل لأنه يُعالج الحالة بسرعة وبعدها حالة أخرى بسبب تراكم المرضى، ولأنّه يعلم أيضاً أن الطبيب الآخر الموجود معه سيشق طريقه بعد فترة، ويخشى أن يصبح منافسه في السوق".

تتحوّل بعض حالات الاكتئاب الشديدة لدى أطباء إلى أفكار انتحارية، يناير 2024 (Getty)
تتحوّل بعض حالات الاكتئاب لدى الأطباء إلى أفكار انتحارية، يناير 2024 (Getty)

ويلخص أمين سر نقابة الأطباء الأردنية مظفر الجلامدة واقع الطب ومعاناة ممارسيه، ويقول لـ"العربي الجديد": "لا تقتصر مهنتنا على الجهد العملي والدراسة والامتحانات وساعات السهر الطويلة. المسؤوليات الطبية والاجتماعية والإنسانية والأخلاقية تخضع لمناوبات مرهقة وقوانين ظالمة وقيود مختلفة، والضغوط على الأطباء معقّدة ومركبة ومتراكمة ولا تنتهي، وكل مرحلة من مراحل الطب لها معاناتها التي تختلف تماماً عن السابقة، وتختلف استجابة كل طبيب بحسب قدرته على التحمّل واستيعاب الواقع، علماً أنه يحتاج بين عشر سنوات و12 سنة للوصول إلى مرحلة الأمان، وتستغرق الدراسة ست سنوات وبعدها تحتاج برامج الإقامة إلى المدة نفسها أو أقل قليلاً. وخلال هذه السنوات يجد الطبيب نفسه معزولاً عن مجتمعه وحياته".

ورغم أنه لا يستبعد أن تكون حالات الانتحار لدى الأطباء فردية، وقد تقف وراءها ظروف لا علاقة لها بمهنة الطب، يرى الجلامدة أن ضغوط المهنة والدراسة تؤثر بشكل بالغ في أوضاعهم النفسية. ويتحدث عن أن "نقابة الأطباء لعبت دوراً كبيراً في الدفاع عن حقوق الزملاء والمطالبة بتحسين بيئة العمل، وعلى رأسها ساعات الدوام الطويلة والمناوبات، وحلّ مشكلة نقص الكوادر الطبية التي ترهق من ارتفاع عدد المرضى والمراجعين. ولا ننسى الظروف المالية الصعبة لبعض الأطباء التي لا تتناسب مع جهودهم وسنوات الدراسة والسهر والتعب الجسدي والنفسي".

ويلفت الجلامدة إلى أنّ "المراسلات الطبية للحكومة لم تنقطع، سواء من خلال مجلس نقابة الأطباء الحالية أو النقابات السابقة التي عملت كلها لتخفيف الأعباء عن الكوادر الطبية، وإيلاء الملف أولوية قصوى، فحماية الأطباء وطلاب الطب ليست رفاهية، ومن يحفظ حياة الناس يستحق أولاً أن تُحفظ إنسانيته".

ورداً على سؤال عن أكثر الأمراض النفسية شيوعاً لدى الأطباء والتي قد تقود إلى حالات الانتحار، يقول استشاري الطب النفسي علاء الفروخ لـ"العربي الجديد" إن "الاكتئاب في الصدارة، لا سيما لدى طلاب الطب والمقيمين، ويرتبط بشكل وثيق بالاحتراق الوظيفي بتأثير الضغوط وساعات العمل الطويلة، وأيضاً بالتوقعات العالية التي يجب أن ترافق مسيرته الطبية ووضعه الحياتي بعد سنوات طويلة من الدراسة. كما ينتج الاكتئاب من المشاكل المرتبطة بقرارات أو سلوكيات بعض الكوادر الإدارية، ونسبة مرتفعة لديهم مقارنة بباقي فئات المجتمع، وقد لا يسهل علاجها خلال فترة معينة من مزاولته المهنة نظراً إلى حساسية المسؤوليات الملقاة على عاتقه واضطراره إلى العمل مع كوادر كثيرة والتعامل مع حالات معقدة جداً".

ويشرح أن "ثمة مؤشرات أولية يمكن ملاحظاتها لدى الطبيب الذي يعاني نفسياً ولديه أعراض اكتئاب، وعلى رأسها هبوط المزاج وانعدام الاستمتاع أمام أشياء كانت تمتعه سابقاً، وضعف العناية الشخصية، واضطرابات النوم والشهية، وأحياناً الانعزال الاجتماعي في بعض حالات الاكتئاب الشديدة وصولاً إلى الأفكار الانتحارية التي قد تتحوّل أحياناً إلى محاولة".

وعن أساليب الوقاية أو النصائح التي يمكن توجيهها إلى الأطباء يقول الفروخ: "في البداية يجب تقييم الحالة النفسية لكل شخص ينوي اختيار تخصصات صعبة وتخضع لضغط عمل هائل جداً وعلى رأسها الطب، فالشخص أكثر من يعرف قدراته وصلابته النفسية، وعلى الأسرة أن تساعد ابنها في اختيار التخصص الذي تطمئن له نفسه، وليس التخصص الذي يدعو للتفاخر الاجتماعي مهما كانت العواقب". أيضاً يرى أن "المؤسسات التعليمية والأكاديمية والمستشفيات والوزارات المعنية يجب أن تراعي الحالة النفسية للأطباء وأن يكون لديها بروتوكولات خاصة للعناية النفسية، ويتطلب ذلك في الأصل وجود تشريعات قانونية تحمي الشخص الذي يعاني نفسياً أو يطلب مساعدة في هذا الاتجاه. وواحدة من عوائق طلب المساعدة النفسية لدى الأطباء وطلاب الطب هو وجود ملف نفسي قد يُعيق اختياره للتخصص مستقبلاً أو الحصول على وظيفة، وتلعب ثقافة العيب أو وصمة العار من المرض النفسي مجتمعياً دوراً في امتناع كثيرين عن طلب المساعدة وخدمات الصحة النفسية، وهذا ما يجب محاربته باعتباره أول خطوط المواجهة في مواجهة الانتحار".

Post a Comment

Plus récente Plus ancienne